عبد الله بن الرحمن الدارمي
66
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )
إن دراسة الوحي - قرآنا وسنة - تزرع في روع الإحسان أن الإسلام ما هو إلا إبداع للصيغة العملية التي تنتظم الإنسانية فيها ، ولهذا فإن آدابه كلها ليست إلا حراسا على القلب المؤمن كأنها ملائكة من المعاني . سمع المسلمون الأولون كلام اللّه تعالى في كتابه ، وكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلم لا كما يسمعون القول ، ولكن كما يتلقون الحكم النافذ المقضي . اتصلوا بنبيّهم ، ثم اتصل بعضهم ببعض لا كما يتصل إنسان بإنسان ، بل كما تتصل الأمواج بقوة المد ، فأصبح المسلم منهم يضرب بالسيف في سبيل اللّه ، فما يشعر بهذه الضربات إلا قبل أصدقاء من الملائكة يطيلون له العناق . لقد نقلهم صدق التزامهم بهذا المنهج إلى أن يصبحوا قدرا من أقدار اللّه تعالى ، يغزون الدنيا بأسلحة هي في ظاهرها أسلحة المقاتلين ، ولكنها في معانيها ما هي إلا أسلحة الأطباء النطاسيين . كانوا يحملون الكتاب والسنة ، ثم مضوا في سبيلهم ، وبقي الكلام من بعدهم غازيا محاربا في العالم كله حرب تغيير وتحويل إلى أن يدخل الإسلام على كل ما دخل عليه الليل : فالقرآن والحديث يعملون في حياة أهل الأرض بنور متمم لما يعمله نور الشمس والقمر ، وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته . نعم تتابع الوحي واكتمل ليكون منهج حياة ، ونظام مجتمع ، وأساس حضارة ، ولتطبق قيمه ومبادئه فتتحول إلى سلوك تصطبغ به الحياة ويسير عليه المجتمع . ولكن هذه المبادئ ، وهذه القيم لا تؤدي دورها إلا بجهاد